سيد محمد طنطاوي

323

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مصيبة الذم من اللَّه - تعالى - ومن أوليائه ، لأنك تركت عبادة من له الخلق والأمر ، وعبدت ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا . ومصيبة الخذلان ، بحيث لا تجد من يعينك أو ينصرك ، في ساعة أنت أحوج ما تكون فيها إلى العون والنصر . وجاء الخطاب في قوله - تعالى - : * ( لا تَجْعَلْ ) * عاما ، لكي يشعر كل فرد يصلح للخطاب أن هذا النهى موجه إليه ، وصادر إلى شخصه . لأن سلامة الاعتقاد مسألة شخصية ، مسؤول عنها كل فرد بذاته وسيحمل وحده تبعة انحرافه عن طريق الحق يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وقوله * ( فَتَقْعُدَ ) * منصوب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهي . وقوله * ( مَذْمُوماً مَخْذُولًا ) * حالان من الفاعل . وفي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لحال الإنسان المشرك ، وقد حط به الذم والخذلان ، فقعد مهموما مستكينا عاجزا عن تحصيل الخيرات ، ومن السعي في تحصيلها . قال الآلوسي : وفي الآية الكريمة إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة « 1 » . ثم ساق - سبحانه - بضع عشرة آية ، تناولت مجموعة من التكاليف تزيد على عشرين أمرا ونهيا . وهذه التكاليف قد افتتحت بالنهى عن الإشراك باللَّه - تعالى - وبالأمر بالإحسان إلى الوالدين قال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّه كانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 )

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 53 .